حاولت ومش قادر. في بعض الأحيان يكون الموضوع جاد للغاية ولكنه غير معقول الى درجة السخرية المرة. والقصة وراء الموضوع هو قرار البرلمان الاوروبي بخصوص حقوق الانسان في مصر. والموضوع هو رد الجهات الرسمية المصرية عليه.لا أجزم أبدا بأني على اطلاع بالتيارات السياسية الممثلة في البرلمان الأوروبي. أو اني على دراية كافية بأولويات الاتحاد الأوروبي وبرلمانه في منطقة الشرق الأوسط. ولن أنفي ان القرار قد يكون فيه من الانتقادات ما هو على حق وما هو من منطلق الضغوط السياسية. لذلك ليس تعليقي على محتوى القرار ولكن على الرد المصري.
لقد ذكر القرار البهائيين في أحد مواده كمنتمين لأحد المجتمعات الدينية التي يمارس ضدها التعسف ومصادرة الحريات. ولقد كان هناك ذكر للبهائيين في العديد من الانتقادات التي توجه لمصر على مدار السنوات الأخيرة بخصوص حقوق الانسان. وللعجب يؤخذ هذا الأمر على البهائيين. وكأننا اخترنا هذا الوضع الغير انساني من “العدم المدني” الذي نعانيه. ويسألني المهتمين “هل ترضى بهذا التدخل في الشأن الداخلي لمصر بسببكم؟”
نرجع لرد مصر على القرار الأوروبي. والفزعة اللي قامت بيها كل الجهات المعنية وغير معنية لتشجب وتندد بالقرار على أساس انه تدخل “سافر” وقليل الأدب في شئون مصر الداخلية. بل وتردح للبرلمان الأوروبي “ماتبصو لنفسكو الأول وخلونا ساكتين بقى” ومصمصوا شفايفهم واستكملوا تقشير البتنجان على عتبة البيت.
ليس مجرد الردح والصوت العالي بل انطلقت حملات المطبلاتية لاحتواء الفضيحة عن طريق تصريحات من عينة “دول هما خمسين واحد حضروا من أصل سبعمية وحتى مش كلهم صوتوا لصالح القرار”. يا حلاوة يا ولاد. يعني البرلمان الأوروبي ماشي بالنظام ده؟ يطلع قرارات بأقلية الأصوات؟ وحتى اذا كانت وكالات الأنباء كاذبة هل من المفروض اننا نصدق مثل هذه التصريحات كأنما أصابنا العته المنغولي؟
القرار محرج ويعتبر فضيحة دولية لمصر. وهو ليس أول احراج دولي لنا كما يشير حديث الدكتور فؤاد رياض للبديل عن وضع البهائيين في مصر قائلا: “وقد أثار هذه المشكلة أيضا البهائيون في مجلس حقوق الانسان الدولي في جنيف هذا العام.. طرحوا مشكلتهم وكنت في نصف هدومي من الإحراج الذي سببه ذلك لي..”. لكن بدل ما نتعامل مع هذه الفضائح بأسلوب الولايا في الحواري. هل من الممكن النظر اليها بشيئ من التعقل؟ فهي لم تأت من فراغ.
ولكن نأتي لصلب القضية. شؤوننا الداخلية التي يرفض المتشنجين المساس بها وكأنها عوراتنا التي نخشى كشفها. هل أصبح هناك ما يسمى بشئون داخلية في العالم الذي نعيشه اليوم؟ هل يعتقد حماة شرف شؤوننا الداخلية ان أي طفل في ما وراء البحار لا يستطيع بضغطات بسيطة على لوحة مفاتيح ان يقرأ ويسمع ويرى بل ويتفاعل مع شئوننا الداخلية؟ هل نستطيع في عالم اليوم المتشابك المصالح ان نتخذ قرارات ما دون مراعاة المواثيق والأعراف الدولية التي التزمنا بتنفيذها؟ هل نحن مستعدون لأن نكون معزولين عن العالم ونعيش داخل خزينة مغلقة نحافظ فيها على شئوننا ومالناش دعوة بشئون الغير؟
انها حقيقة واضحة جلية لا نستطيع انكارها أو تجاهلها. نحن جزء من عالم كبير تتشابك فيه الانسانية وتشكل نسيج واحد. كل مفاهيم الماضي عن الشئون الداخلية والحدود والرقابة والتحكم في الانسان دون رادع بدأت في التساقط. صحيح ان موازين القوة حاليا غير سليمة وتؤدي الى ظهور جهات محددة في العالم لها من الثقل ان تأمر وتراقب وتتحكم ولكن نحن في مرحلة تكوين عالم جديد ومختلف ومازالت عملية الولادة العسرة والتربية البشرية والصقل لهذا الوضع دائرة. سيكون للفرد بالتأكيد المقام الأول الذي يدور حوله هذا النظام العالمي. ولن يكون المكان الجغرافي أو الانتماء لبلد ما عائقا ليصبح هذا الفرد مواطنا عالميا ليس تحت رحمة أي شأن داخلي.
ليس امامنا اذن سوى خياران. الانعزال عن العالم لنختفي وننقرض أو ان نكون عضو فعال فيه منسجم معه مؤثرا في قراراته. ووقتها لا يوجد مكان لأن نحيك لأنفسنا قوانين تتعارض مع مفاهيم وصلت اليها الانسانية بشكل جماعي متحضر نتيجة تجارب عديدة في ماضيها.
واللي خايف على شئونه من المساس السافر بها ياريت يصلحها لأنه مش هينفع يخبيها.
Filed under: البهائية, ردود, صحافة | Tagged: قرار, نظام عالمي, البهائيون في مصر, البديل, البرلمان الأوروبي, الدين البهائي, حقوق الانسان, دكتور فؤاد رياض, شؤون داخلية

اترك رد
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليق.